حسن ابراهيم حسن
464
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
فإذا وصلت النوبة كان فض ختومها وفتح خرائطها وإخراج الكتب منها بحضرته ، ويأخذ منها ما كان إلى مجلسه . ويخرج الباقي إلى ديوان البريد فيفرق على أربابه ، ثم يقرأ الكتب إليه كتابا كتابا ويطرحه إلى أبى القاسم عبد العزيز . فإذا تكامل وقوفه عليها جدد أبو القاسم قراءتها عليه ، فيأمره في جواب كل فصل بما يوقع به تحته ، وأخرج منها ما يأمر بإخراجه ليوجه عليه المطهر بن عبد اللّه أو من يجرى مجراه في تذكرة وهي أبدا بين يديه ، يعلق فيها ما يعرض له . ثم يسأل عن الطعام عند فراغه من ذلك فإذا حضر الوقت الذي رسمه بالأكل فيه ، استدعاه فأصاب منه ، وطبيب النوبة قائم على رأسه ، وهو يسأله عن شئ من منافع الأغذية ومضارها . ثم يغسل يده وينام ، فإذا انتبه جدد الوضوء وصلى الصلاة الوسطى ، وخرج إلى مجلس الشرب فجلس وحضر الندماء والمهون . ووافى أبو القاسم بن عبد العزيز فقعد بحضرته على رسمه ، وعرض عليه ما كتبه الكتاب أو كتبه هو بنفسه من أجوبة الكتب الواردة ، فربما زاد فيها أو نقص منها . ثم تصلح وتختم وتجعل في إسكدارها ، وتحمل إلى ديوان البريد فتصدر في وقتها ، ومنى غاب أبو القاسم بن عبد العزيز لأمر يقطعه أو تأخر في داره واحتيح إلى كتاب يكتب ، يستدعى كاتب النوبة ، فأجلس بين يديه ، وتقدم بما يريده إليه ، وأملاه عليه وهو مع ذلك يشرب ويسمع الغناء ويسأل عما يمضى من أشعاره وما تجب معرفته من أخباره ، ولا يزال على ذلك إلى أن يمضى صدر الليل ثم يأوى إلى فراشه . وإذا كان يوم موكب برز للأولياء ولينهم ببشر وتأنيس تعلوهما هيبة ووقار ، وأجاب كل ذي حاجة بما يجب في السياسة من بذل ومنع . وتفرق الناس عند انتصاف النهار ، وأقام أصحاب الدواوين وكتابهم إلى حين غروب الشمس . فأما عموم الأيام فإن الأمر يجرى على ما تقدم ذكره . . . فأما ما ذكر في أمر تدبيره لجنده ، فقد كانت أموالهم مطلقة في أوقاتها متتبعة في تصرفاتها ، وأكثر كتابهم وأصحابهم عونا له عليهم . وطبل العطاء يضرب في كل يوم ، ويحضر من تنتهى إليه الدعوة من القواد ، ومعه أصحابه بأحسن رتبة ، فقبض ماله ، والزيادات في الأصول محظورة على العموم ، إلا عند الفتوح وما تدعو السياسة إليه من استمالة القلوب » .